سيد محمد طنطاوي
204
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال : « ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ » قالوا : فالأنبياء قال : « وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم » قالوا : فنحن ، قال : « فما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم ، يجدون صحفا يؤمنون بما فيها » . وقوله - تعالى - : * ( وقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ ) * كما قال - تعالى - : واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ومِيثاقَه الَّذِي واثَقَكُمْ بِه ، إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأَطَعْنا . . ويعنى بذلك بيعة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . وزعم ابن جرير : أن المراد بذلك : الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم « 1 » . وجواب الشرط في قوله - تعالى - : * ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * محذوف لدلالة ما قبله عليه . أي : إن كنتم مؤمنين لسبب من الأسباب ، فعلى رأس هذه الأسباب وجود الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بينكم يدعوكم إلى هذا الإيمان ويقنعكم بوجوب الاعتصام به . ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم وعليهم فقال : * ( هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِه آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . وإِنَّ اللَّه بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) * . والرؤوف : مبالغة في الاتصاف بالرأفة ، ومعناها : كراهية إصابة الغير بما يضره أو يؤذيه . والرحيم : مبالغة في الاتصاف بصفة الرحمة . ومعناه : محبة إيصال الخير والنفع إلى الغير . أي : هو - سبحانه - وحده الذي ينزل على عبده ورسوله محمد صلى اللَّه عليه وسلم * ( آياتٍ بَيِّناتٍ ) * أي : حججا واضحات ، ودلائل باهرات ، لكي يخرجكم من ظلمات الكفر والجهل ، إلى نور الإيمان والعلم . وإن اللَّه - تعالى - بكم - أيها الناس - لكثير الرأفة والرحمة ، حيث أنزل إليكم كتابه ، وأرسل إليكم رسوله صلى اللَّه عليه وسلم . وكما حضهم - سبحانه - على الثبات على الإيمان . . حضهم أيضا مرة أخرى على الإنفاق في سبيله بأبلغ أسلوب ، فقال : * ( وما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ، ولِلَّه مِيراثُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * . والاستفهام في قوله تعالى : * ( وما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا . . ) * للتعجيب من حال من يمسك عن الإنفاق في سبيل اللَّه ، مع أن كل المقتضيات تدعوه إلى هذا الإنفاق . والكلام في قوله
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 305 .